القيود الأمريكية على إغاثة الناجين.. متى تصبح المساعدة الإنسانية جريمة؟

القيود الأمريكية على إغاثة الناجين.. متى تصبح المساعدة الإنسانية جريمة؟
الولايات المتحدة وأزمة تقييد المساعدات

نظمت الولايات المتحدة هذا الصيف سلسلة من التوجيهات والعقود الفيدرالية التي تقيد قدرة منظمات الإغاثة على تقديم خدمات للمهاجرين غير الموثّقين خلال الكوارث، وهو تحول أثار صدمة واسعة في أوساط العاملين بالاستجابة الطارئة والمنظمات الحقوقية في ظل مخاوف تتمثل في أن هذه الشروط قد تجبر المنظمات على التحقق من حالة الأشخاص قبل تقديم المساعدة، أو الامتناع عن تقديم خدمات ضرورية خشية فقدان التمويل، ما يخلق فجوة إنسانية وتهديدات مباشرة للحياة العامة بحسب هيومن رايتس ووتش.

تجري الإجراءات الأخيرة في سياق أجندة حكومية تعطي تشديد سياسات الهجرة أولوية عملية وسياسية، حيث صدرت أوامر إدارية وتوجيهات عقودية عن وزارة الأمن الداخلي ووكالات مرتبطة بها تُلزم المتعاقدين بعدم "تشغيل أي برنامج يفيد المهاجرين غير الشرعيين" شرطاً للحصول على منح وتمويلات فيدرالية، بحجة منع "تشجيع الهجرة غير النظامية" أو إساءة استخدام الأموال الفيدرالية، وهذه التحركات تتقاطع مع أخرى، من إجراءات تجميد دفعات وأحجام كبيرة من المساعدات إلى مراجعات وحجب تمويل عن جهات محلية، ما يعكس اتجاهًا مؤسسيًا نحو ربط الإغاثة بسياسات الهجرة وفق "واشنطن بوست".

قدرة الاستجابة والكوارث المحلية

الانعكاسات العملية كانت سريعة وواسعة، حيث أوقفت إدارة طوارئ فدرالية مراجعات وصرفت أموالاً أو جمدتها في برامج إسكان مؤقت واستجابة للكوارث بحجم يقارب عشرة مليارات دولار، في سياق تحقيقات حول احتمال استفادة مهاجرين من خدمات ممولة فدرالياً.

إجراءات مثل هذه تزيد من الضغط المالي على شبكات الإغاثة المحلية وتعرض خدمات أساسية لخطر الانقطاع، كما رصدت السلطات فتح تحقيقات قانونية وإصدار استدعاءات لحيازات سجلات منظمات ما أدى إلى تردد في توفير الإعانات وما يرافق ذلك من خطر تزايد تأثير الكوارث على عموم السكان. 

الأسس الأخلاقية والقانونية للعمل الإنساني مثل مبدأي، الإنسانية والحياد، وعدم التمييز، المتبنيين من قبل الحركة الدولية للصليب الأحمر ووكالات الأمم المتحدة، تقوم على أن الإغاثة تُقدّم بحسب الحاجة وليس بحسب الجنسية أو الوضع القانوني، كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ونصوص قانونية دولية أخرى تؤكد حق الناس في مستوى معيشي صحي وأمن في حالات الطوارئ، ووضع شروط تقيّد وصول المساعدات لقاطنين أو ناجين بناءً على وضعهم القانوني إن كان يتعارض مع هذه المعايير، ويثير شكاوى من منظمات حقوقية حول انتهاك مبدأ عدم التمييز وحماية الحياة بحسب منظمة الأمم المتحدة.

ردود المنظمات الحقوقية والأممية

منظمات حقوقية دولية وصحفيون وأكاديميون حذّروا من أن القواعد الجديدة ستحيد منظمات إنسانية عن مبدأ "الإنسانية أولاً"، وقد اعتبرت هيومن رايتس ووتش أن منع المساعدة عن أشخاص بسبب وضعهم القانوني ينتهك مبادئ حقوق الإنسان ويعرّض حياتهم للخطر، ودعت إلى إلغاء أو تعديل الشروط حتى تظل المساعدات متاحة دون تمييز.

من جهتها حذرت منظمات إنسانية أخرى من بينها "هيومن رايتس ووتش" والعفو الدولية وموظفون داخل وكالات الإنقاذ من أن التوجيهات ستولد "تأثيراً رادعاً" يجعل الفئات الأضعف تتردد عن طلب المساعدة، ما يؤدي إلى أزمات صحية عامة قد تتجاوز فئة المهاجرين إلى عموم السكان.

المشهد الأمريكي شهد حوادث مقلقة تجسّد التوتر بين إنفاذ قوانين الهجرة وضرورة الإغاثة الطارئة، فقد كشفت تقارير أن تحقيقات إدارية وعمليات إنفاذ سرّية تداخلت مع عمل فرق الإطفاء والبحث والإنقاذ، كما أن مراجع تمويلية وأوامر استرداد دفعات قادة بعض المنظمات إلى تعليق برامج سكن ومأوى كانت تخدم مزيجاً من المواطنين والمقيمين والمهاجرين، كما عبّر موظفو وكالات الإنقاذ نفسها عن مخاوف أنّ تحوّل جزء من مهمة الإغاثة إلى مهمة تحقق سلّطوية سيؤثر في سرعة الاستجابة وفعالية حماية الأرواح. 

الجوانب القانونية والدستورية

إجراءات منع تقديم خدمات لأشخاص على أساس وضعهم القانوني تفتح أبواباً أمام دعاوى قضائية محتملة قد تثير مسائل دستورية وحماية حريات دينية أو حقوق تقاضٍ للمساواة، فضلاً عن التزامات الولايات المتحدة بموجب بعض المعاهدات الدولية التي تكفل حقوقاً مدنية وسياسية أساسية.

ومع ذلك، ثمة مسألة تقنية مهمة: الولايات المتحدة لم تُصادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية (ICESCR) ولذلك لا توجد التزامات دولية صريحة تعطي الحق في خدمات اجتماعية شاملة كما في بعض الدول الأخرى، لكن المبادئ العامة لحقوق الإنسان والواجبات الناشئة عن قواعد المعاملة الإنسانية تظل أدوات قوية للضغط الأخلاقي والسياسي والقانوني. 

منع فئات من السكان من الوصول إلى إمدادات الغذاء والمأوى والرعاية الطبية في أوقات الكوارث لا يقتصر أثره على الضحايا مباشرة، إذ يسهِم في تفشي الأمراض، يعوق مقاومة الحرائق والفيضانات، ويطيل أمد التعافي الاقتصادي للمجتمع بأسره، وتكلفة عدم الوصول إلى الرعاية الفورية قد تتجسّد لاحقاً في أعباء طبية كبرى، واضطرابات سوق العمل، ونفقات إنعاش تستنزف الموارد العامة أكثر من استثمار بسيط في برامج شاملة لا تستثني أحداً. 

مقترحات عملية

تشير ممارسات دول وحلول ميدانية إلى بدائل تقوّي الاستجابة دون المساس بسياسات الهجرة منها إقرار ضمانات صريحة بعدم مشاركة معلومات المستفيدين مع سلطات الهجرة في حالات الطوارئ، وفصل عقود الإغاثة عن متطلبات إنفاذ الهجرة، اعتماد معايير حماية عدم التمييز مطلباً في عقود التمويل الفيدرالي، وإطلاق حملات توضيح لضمان أن الناجين يطلبون المساعدة بلا خوف، كما تطالب منظمات حقوقية بالشفافية والمساءلة وتحقيق مستقل في تبعات السياسات الجديدة لقياس الأثر ووقف أي إجراءات تُعرِّض أرواحاً للخطر. 

التقيد بخطّ فاصل بين إنفاذ قوانين الهجرة وواجبات حماية الحياة يمثل اختبارًا أخلاقيًا وقانونيًا للسياسات الأمريكية، وبحسب هيومن رايتس ووتش إذا كانت السياسة الجديدة تهدف إلى ضبط الحدود، فإنها في الوقت نفسه قد تفتح بوابة لتقويض مبدأ إنساني عالمي يتجسد في أن تُقدَّم المساعدة لمن يحتاجها بغض النظر عن هويته، ونتائج هذا الاختبار لن تُقاس فقط بالمعايير القانونية والسياسية، بل بحجم الأرواح التي ستنجو أو تُفقد حين تتعطّل شبكة الأمان الإنساني في طوارئ يعيشها المجتمع الدولي بأسره.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية